الشيخ محمد آصف المحسني

20

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

وعللوه بأن اتّفاق جمّ غفير من الأذكياء على شيء يوجب اليقين بصحّته ؛ إذ من المحال عادة أن يتّفقوا على أمر غير واقع ، بل ذكر العلامة المجلسي رحمه اللّه « 1 » أن ما يجمع عليه العقلاء لا يكون إلّا ضروريا أو قريبا من الضروري ، وبه استدلّ على استحالة النقص على اللّه تعالى . أقول : حصول العلم يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال لكن الدليل حينئذ لا يكون إلزاميا ، ولعل الغالب هو عدم حصول العلم منه في الحدسيات . 2 - عدم العلم بالمخبر عنه قبل حصول التواتر لاستحالة تحصيل الحاصل . 3 - عدم انتهاء الناقلين في تمام الطبقات والأدوار إلى عدد قليل يجوز تبانيهم على الكذب . 4 - صفاء الذهن بالنسبة إلى المخبر عنه وعدم الاعتقاد على خلافه ، وإلّا لم يفد العلم . ذكره السيد المرتضى قدّس سرّه وقبله عنه الآخرون ، ووجهه واضح . وأما إشتراط الإسلام والعدالة واختلاف النسب وعدم جمعهم في بلد وتعيين عدد خاصّ من الناقلين كالخمسة أو العشرين أو الأربعين أو السبعين أو ثلاثمئة ، فغير لازم قطعا ، بل بعضها جزاف . ثم إن التوتر على أقسام ثلاثة : الأول : التواتر اللفظي : وهو اتّفاق الناقلين على ألفاظ الخبر وعباراته ، كتواتر ألفاظ القرآن وحديث المنزلة وحديث الغدير ونحوها . الثاني : التواتر المعنوي : وهو تواطئهم على معنى واحد وإن اختلفت ألفاظهم ، سواء كانت دلالة الألفاظ على المعنى المخبر عنه بالمطابقة أو بالتضمّن أو بالالتزام ، وهذا مثل ما ورد من الأخبار الحاكية عن شجاعة علي عليه السّلام . الثالث : التواتر الإجمالي : وهو نقل الوقائع الكثيرة ، فإنه يحصل العلم بوقوع بعضها عادة وإن كان كل واقعة بخصوصه مشكوكا فيه . وأورد عليه الأصولي الشهير المحقق النائيني قدّس سرّه « 2 » بأن الأخبار إذا بلغت من الكثرة ما بلغت ، فإن كان بينها جامع يكون الكلّ متّفقا على نقله فهو راجع إلى التواتر المعنوي ، إلّا فلا وجه لحصول القطع بصدق واحد منها بعد جواز الكذب على كلّ منها في حدّ نفسه . ويدفع أولا : بجريانه في القسمين الأولين أيضا وهو لا يلتزم به . وثانيا : أنه شبهة في مقابل البداهة ، أليس من لاحظ كتاب التهذيب مثلا يضطر إلى القطع بصدور بعض ما فيه عن الأئمة عليهم السّلام ؟

--> ( 1 ) البحرا 3 / 231 . ( 2 ) أجود التقريرات 2 / 113 .